فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 468
دلّ هذا البيان على أنّهم كانوا ينكرون الجزاء الرّبّانيّ، وينكرون البعث إلى الحياة الأخرى، وينكرون كلّ ما جاء من أنباء عن يوم الدّين.
دون أن يقدّموا حجّة ما على إنكارهم غير الاستبعاد والاستغراب، بأسلوب الاستفهام التعجّبي.
فيوم الدّين يلاقون، ما كانوا له منكرين، وما كانوا به يكذّبون.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا: أي: وصرنا بعد الموت ترابا متفرّقا في تراب الأرض وَعِظامًا: أي: وصرنا بعد الموت عظاما بالية نخرة أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أو [إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ] : عبارات تعجّب بأسلوب الاستفهام التعجبيّ الذي لا يقترن به دليل ما. أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) .
-أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) : يبعثون، ويحاسبون، ويجازون، وقد كانوا يعبدون الأوثان، وقد عاشوا قبل محمد، وقبل الكتاب الذي يدّعي أنّ اللّه أوحى به إليه."أو"بإسكان الواو أو فتحها على القراءتين هي فيما أرى بمعنى الواو. تأتي واو"أو"مفتوحة عند النحاة إذا كانت للاستفهام، أو الإنكار، أو الرّد. وتأتي ساكنة إذا كانت للشك، أو التقسيم، أو التفصيل، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى بل، أو إلى أو إلّا أو بمعنى الواو.
وجاءت العبارة هنا ملحقة باستفهام تعجّبيّ لم يقترن به دليل ما، ولم يقترن به نقض لأدلّة إثبات يوم الدّين البرهانية التي سبق في نجوم التنزيل بيانها.
وليس لعبارات التعجّب قيمة ما فيه ميادين المناظرات والمجادلات الفكريّة، الّتي تطلب فيها البراهين، أو الحجج المنطقيّة المقبولة في العقول السليمة، فهي لا تستدعي ردّا عقليّا، بل تستدعي تأكيدا إخباريّا، وعنفا بيانيّا، وضغطا على محور الخوف في النفس.