معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 473
قول اللّه تعالى:
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) : أي: فمالئون من الأكل من ثمرها بطونهم. جاءت (ال) في لفظ الْبُطُونَ عوضا عن الضمير الذي يعود على المخاطبين: أي: فمالئون من الأكل من ثمرها بطونكم، لأنّ الأكل منه لا يسدّ جوعكم مهما أكلتم، فلا تقفون عن الأكل منه إلّا إذا امتلأت بطونكم، وصرتم غير قادرين على أن تضيفوا شيئا إلى بطونكم بعد امتلائها بالزّقّوم، إلّا شرابا يتسرّب تسرّبا.
واسم الفاعل في هذه الآية كاسم الفاعل في الآية الّتي قبلها.
قول اللّه تعالى:
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) :
أي: فسوف يلجئكم الظّمأ الشّديد بعد الأكل من ثمر شجرة الزّقّوم الّتي تملؤون منها البطون، إلى شرب ماء كثير، لكنّكم لا تجدون في الجحيم دار عذابكم إلّا ماء حارّا شديد الحرارة، فتشربون منه مثل شرب الهيم فلا يروي ظمأكم، فتهيمون.
الحميم: الماء الحارّ ذو الحرارة الشديدة. و (ال) تشير إلى ما جاء في الآية (42) : فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) .
الهيم: الإبل المصابة بداء الهيام، فهي تشرب فلا تروى، فتنطلق هائمة لا راحة لها ولا استقرار. يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء.
الضمير في عَلَيْهِ يعود على المأكول المفهوم ذهنا من عبارة:
لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) .
وجاء تكرير فَشارِبُونَ في الآية (55) للدّلالة على تكرير شربهم مرّة فمرّة ليطفئوا ظمأهم، لكنّه لا ينطفئ، وفيه مع هذا إيجاد توازن بين هذه الآية وبين التي قبلها (54) .