معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 480
امنعوا عن أنفسكم الموت الّذي قدّرناه بينكم، وإن كنتم تزعمون أنّ خالقا غيرنا هو الّذي خلقكم فاذكروه، وأثبتوا بحجّة مقبولة ما ذا خلق من الأرض أو من السّماء، أو اسألوه أن يمنع عنكم الموت إذا نزل بكم ليثبت أنّه هو الخالق لكم.
لكنّ أحدا ما في الوجود غير اللّه لا يستطيع أن يدّعي أنّه هو الخالق.
فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ:"لو لا"هنا بمعنى"هلّا"الّتي فيها معنى الحضّ والحثّ، أي: فهلّا تصدّقون بأنبائنا عن الحياة الأخرى، وما فيها من حساب، وفصل قضاء، وتنفيذ جزاء، في جنّات النّعيم، أو في دار العذاب الأليم.
وفي هذا الحضّ معنى تلويم المكذبين، وبيان سوء اختيارهم، ونقصان عقولهم، إذ ينكرون الحقّ المؤيّد بالبراهين العقليّة، والحجج الدامغة.
والظاهر أنّ عبارة: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ موجّهة للدهريين وكلّ الذين لا يؤمنون بالرّب الخالق، كالملاحدة والوجوديين، أو يجعلون له شريكا في خلقه للناس، كالذين يؤمنون بخالقين أو أكثر.
بعد هذا جاء عرض الظواهر الكونيّة المختارة للعرض في هذا الدّرس، من ظواهر خلق اللّه في كونه الدّالّة على طائفة من صفاته الجليلة:
الظاهرة الأولى: النّطفة المنويّة، وقد جاء التنبيه عليها في قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدرس:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) ؟!.