فهرس الكتاب

الصفحة 5495 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 494

ولكنّ حكمة الخالق بديع السماوات والأرض، حمت مياه البحر من الفساد بالمعقّم المخالط لها.

وبالعناية الفائقة وإتقان الصنعة، جعل اللّه عزّ وجلّ نظام التبخّر لا يصعّد إلّا الماء الخالص من العناصر المخالطة له في البحار.

ويتجمّع بخار الماء الذي يتصاعد من المحيطات العظيمات ومن غيرها على شكل سحب تسبح في الفضاء، ويتراكم بعضها على بعض، وتسوقها الرّياح، وتركم بعضها على بعض بأمر اللّه، وتزجيها إلى أرض قضى اللّه أن يسقيها ويرويها ويروي الأحياء فيها، وينبت زرعها.

ويرسل اللّه عزّ وجلّ رياحا باردة ذوات لقاح، فتتكثف الأبخرة، وتتجمّع على نويات اللّقاح ماء، فتتساقط قطرات، تكبر وتصغر بقوانين قدريّة، وتكون مطرا ينزل من السّماء عند أمكنة تجمّع السّحاب، إلى الأرض الّتي قضى اللّه أن يسقيها أو أذن به، فيحيي به اللّه الأرض بعد موتها، ويسقي الظماء من النبات والحيوان والناس.

ويتجمّع الماء، فيجري في الوديان والشعاب، وتمتلئ منه الأحواض والمستودعات، ويسلك سبله إلى العيون والآبار، لتكون موارد للواردين، ومشارب للظّامئين.

ويخالط الماء التراب الطيّب، فتتفتّح البزور بإذن ربّها، وتنفلق، وتمتدّ الجذور، ويشقّ النبات الأرض، ويتصاعد الزّرع ويتفرّع شطؤه، ويقوى جذعه، وتتنامى فروعه، ويزهر زهره، ويثمر ثمره.

فإذا البزرة الّتي كانت صغيرة كالخردلة أو العدسة أو الحمصة أو النواة، قد صارت شجرة عظيمة وارفة الظّلال، ثقيلة الأحمال، عظيمة النّفع، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، فيفد إليها الآكلون، ويغتذون ممّا فيها من غذاء لهم، وينتفعون من ورقها وخشبها وكلّ شيء فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت