فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 60

ليبلوك، وتنسى أنّه متى سلبها بأسباب خفيّة أو ظاهرة لا تملك دفعها ولا رفعها، فإنّك لا تستطيع استعادتها.

ومع نزعة استكبار فيك جعلك تشعر بالاستغناء، وهذا الاستغناء نفخ فيك الكبر، فغشّى على بصيرتك، فنسيت نشأتك، ونسيت ربّك، ووجدت القوى بين يديك فطغيت، في فكرك ونفسك وعملك.

ومن طغيانك في فكرك رفضك دعوة ربّك لك، لتدبّر ما نزل به الوحي لهدايتك، والاستجابة لمضمونها، والعمل بما فيها من أوامر ونواهي ووصايا ونصائح. ومن طغيانك في فكرك استكبارك بما لديك من أفكار ومفهومات ورثتها ممّن سلف، أو أوصلتك إليها تجاربك، أو انتهى إليها ذكاؤك.

ولو أزحت الغشاوة عن نفسك، وتبصّرت بأصل نشأتك، ونفّست ما في نفسك من كبر نفخته فيها الأوهام، لخشعت لربّك، وعدت إلى رشدك، ودخلت ضمن تلاميذ مدرسة الرّبّ جلّ جلاله، تتدبّر ما ينزل به الوحي، فتقرأ كلام اللّه، وتتدبّر آياته، وتتعلّم الكتابة، وتقيّد بالقلم ما يهديك إليه تدبّرك الواعي، ثمّ تعمل بوصايا ربّك، وتطيع أوامره ونواهيه، لأنّك تدرك حينئذ أنّ كلّ ما بين يديك من أسباب هي من عطائه، وضعها بين يديك ليبلوك بها، وتدرك أنّه متى شاء سلبها، وتدرك أنّ مسؤوليّتك في هذه الحياة إيمان به، وإسلام له، وسمع وطاعة، فهو ربّ كلّ شيء، والمهيمن على كلّ شيء.

إنّك إذا عرفت أنّك مخلوق لخالق عظيم، وأنّ هذا الخالق هو ربّك دواما، الّذي يمنحك كلّ أسباب نمائك وبقائك، ويشملك بعطاءات ربوبيّته، فلا بدّ أن يخطر في بالك سؤال ملحّ في نفسك تبحث له عن جواب.

هذا السؤال هو: لماذا خلقني ربّي مزوّدا بصفاتي التي فيها جهاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت