معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 512
تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) : تَرْجِعُونَها من فعل:"رجعه، يرجعه، رجعا، ومرجعا، ومرجعة، ورجوعا، ورجعانا"بمعنى أرجعه إلى ما كان عليه، وهذه"أرجعه"لغة هذيل من قبائل العرب.
والمعنى: إن كنتم صادقين في زعمكم أن الرّبّ لم يقدّر بينكم الموت في هذه الحياة، ليبعثكم إلى الحياة مرّة أخرى للحساب، وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، وقلتم: ما يهلكنا إلّا الدّهر، فاتّخذوا كلّ ما تستطيعون من وسائل لإرجاع الرّوح إلى الجسد عند نزعها وبلوغها الحلقوم، وميّتكم الّذي تحبّونه سليم كلّ الأعضاء الظاهرة والباطنة، وليس فيه من علّة تقتضي الموت، غير انتهاء أجل حياته الّتي قدّرناها له، وليجتمع كلّ أطبّاء الدّنيا ليردّوا له حياته، ولن يستطيعوا، فما قضاه اللّه لا رادّ له.
هذه الآيات من (83 - 87) متمّمات لما جاء في الآيات من (60 - 62) : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) .
الموت والحياة ظاهرتان من ظواهر الخلق الرّبّاني:
لدى التأمّل التفكريّ العميق نكتشف أنّ الحياة والموت ظاهرتان متماثلتان في عمليّات الخلق الرّبّانيّ.
(1) فالحياة تكون بنفخ الرّوح الّذي يخلق بأمر اللّه التكوينيّ، وهو سرّ من أسرار اللّه في الوجود، وبإدخاله في الجسد الذي لم تكن فيه حياة، فيصير حيّا.
وقد جرت سنّة الرّبّ جلّ جلاله، على أن يجعل للأجساد الّتي قضى بأن تكون ذوات حياة، نظاما تركيبيّا ذا بناء من خلايا وأعضاء ومؤهّلا لأن تظهر فيه حركات تدلّ على حياته، وهذا النّظام التركيبيّ