فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 514
التحضيض، لإفادة أنّ التّحدّي بإرجاع الرّوح إلى الجسد، بعد بلوغها في الاحتضار إلى حلقومه، موجّه ضدّ زعمين من مزاعم الكافرين بوجه عامّ، وهم فريقان: فريق لا يؤمنون باللّه الرّب خالقا، وهم الذين وجّه اللّه عزّ وجلّ لهم قوله في السورة: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (57) وهؤلاء هم الدّهريّون. وفريق يؤمنون باللّه الرّبّ خالقا لهم، ولكنّهم لا يؤمنون بالبعث وبالحياة الأخرى وبيوم الدين، وهم الذين وجّه اللّه عزّ وجلّ لهم قوله في السّورة: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) .
وقد تحدّى اللّه عزّ وجلّ الفريقين كليهما بأن يرجعوا الرّوح إلى جسد من يحبّون، إذا بلغت عند احتضاره حلقومه، وهم ينظرون حشرجته، ويترقّبون أن يلفظ نفسه الأخير، ولا يستطيعون أن يفعلوا له شيئا لاسترجاع روحه، أو استبقاء حياته، مع كون كلّ أجهزته سليمة لم يتعرّض شيء منها لخلل لا تبقى الحياة معه بحسب العادة.
وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) دلّ على قضيّتين:
القضية الأولى: أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، أقرب إلى المحتضر المقضيّ عليه بالموت، من كلّ من حوله الّذين يحرصون على بقاء حياته، بعلمه، وقدرته، وهيمنته بصفات ربوبيّته، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) .
"حبل الوريد": يطلقه العرب على"الوتين"وهو الشّريان الرئيس الذي يغذّي الجسم بالدّم النقيّ الخارج من القلب.
القضية الثانية: أنّ المكلّف بقبض روحه ونزعها من جسده من