معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 538
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) : دلّ حرف العطف (ثمّ) على وجود فاصل بعيد بين مكان انتظاره في المحشر، ومكان تعذيبه في وسط الجحيم.
وصبّ الماء ونحوه، سكبه حتّى يدفع بعضه بعضا، وفي كلّ جديد فيه إضافة عذاب إذا كان المراد به التعذيب.
مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ: أي: من الماء الحارّ الذي يغلي، وفيه تعذيب له. ولمّا كان الغرض من صبّ الحميم فوق رأسه إيصال العذاب إليه، كان التّعبير بالصّبّ من عذاب الحميم، أولى من التّعبير بالصّبّ من الحميم الذي فيه عذاب له. والإضافة في مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ هي على تقدير حرف"من"أي: من عذاب من الحميم.
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) : أي: يقال له مع صبّ الحميم فوق رأسه الّذي يعمّ بدنه وهو قائم، ذق هذا العذاب الذي سبّبه لك كفرك بما جاءك من عند ربّك، إذ كنت في رحلة امتحانك في الحياة الدّنيا، وكفرك وجحودك الحقّ سبّبه لك توهّمك أنّك أنت وحدك العزيز الكريم، فلا يليق بك أن تتّبع رسولا من عند ربّك، وأن تعمل بكتاب أنزله ليعمل عباده المكّلفون بما جاء فيه من بيانات لهم، وليسيروا على صراطه المستقيم.
جاء في سبب النزول ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال:
مرّ أبو جهل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالس، فلمّا بعد، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى".
فلمّا سمع أبو جهل قال: من توعد يا محمّد؟.