فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 596
دواما، وربّ آبائكم الأوّلين السّابقين، الّذين ماتوا عند انتهاء آجالهم في الحياة الدّنيا.
وهنا استغلّ فرعون جهل معظم ملئه بدقائق ما أفادته أجوبة موسى عليه السّلام، ومستغلّا ما فرضه من إلهيّته الّتي جعل نفسه فيها معبودا لقومه، ومستغلّا خضوعهم وخنوعهم واستسلامهم لكلّ ما يقول لهم من رأي، فقال لملئه ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ:
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) :
قال فرعون هذا الكلام تهكّما، وإنكارا لأن يكون رسولا، أو صالحا لأن يحمل رسالة من ربّ العالمين على ما يدّعي.
أي: أنا أسأله عن أشياء معيّنة، وهو يجيب بأجوبة بعيدة عمّا أسأله عنه، وهذه من صفات المجانين وأكّد لهم جنونه بثلاث مؤكدات:"إنّ- والجملة الاسمية- واللّام المزحلقة) أي: بما يدلّ في لغته على مثل هذه المؤكّدات."
ولم يلتفت موسى عليه السّلام إلى اتّهام فرعون له بالجنون في مخاطبته لملئه، بل صبر عليه وأعرض عنه، وتابع بيانه بقوله الّذي دلّ على معناه قول اللّه عزّ وجلّ:
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) :
كلمتا"المشرق"و"المغرب"تصلحان للدّلالة على الزمان والمكان، وتصلحان للدّلالة على الحدث كمصدر ميمي، إذ خرجا عن قاعدة"مفعل"بفتح العين في اسمي الزّمان والمكان.
والمعنى: أنّ ربّ العالمين هو المدبّر والمتصرّف بصفات ربوبيته لمكان شروق الشّمس ولزمانه، ولشروقها، وحركتها، ومسيرتها، وهو