فهرس الكتاب

الصفحة 5597 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 597

المدبّر والمتصرّف بصفات ربوبيّته لمكان غروب الشمس ولزمانه، ولغروبها، ولظهور اللّيل والكواكب فيه. وهو ربّ كلّ ما بين المشرق والمغرب من أشياء، وناميات، ورياح وسحب، وقوى ظاهرة أو خفيّة، وظلمة وضياء، وأحياء وبشر، وغير ذلك.

إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ: أي: تدركون حقيقة ربوبيّته للمشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعملون أذهانكم في التّفكّر في هذه الظواهر الكونية، وكلّما توصّلتم إلى حقيقة عقلتموها بعقال في جهاز المعرفة لديكم، وهي تنقلكم إلى حقيقة بعدها في سلاسل متماسكة مترابطة متعاقدة، حتّى تدركوا أنّ اللّه الخالق هو ربّ كلّ شيء في الكون والمتصرّف فيه بتدبيراته الحكيمة، وهو المحرّك دواما لكلّ متحرّك فيه، والمسكّن لكلّ ساكن فيه، وهو القدير على إيجاد ما يشاء، وإعدام ما يشاء، وحسبكم أن تدلّكم الظواهر على صفاته، وما لكم وللبحث عن ذاته الّتي لستم مؤهّلين بالأجهزة الّتي خلقها لكم لإدراكها؟. وهل تستطيعون إدراك كلّ شيء في الكون؟ ألا توجد أشياء تؤمنون بوجودها كأرواحكم وقدرات المعرفة فيكم وأنتم لا تعرفون حقيقة ذاتها؟.

كلّ هذه المعاني هي من لوازم عبارة: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.

وهنا أدرك فرعون أنّه يناظر رجلا ذا عقل كبير وحجج دامغة، وخشي أن يدرك ملؤه عمق حججه وبراهينه الدّقيقة والمحكمة، فضاق صدره، ولم يجد لديه إلّا وسيلة التهديد الأوّليّ بالسّجن فقال له ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التالية:

قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) :

أي: قال فرعون لموسى عليه السّلام: لئن اتّخذت معبودا تطيعه وتعبده غيري، لأجعلنّك في السّجن مع المسجونين من العصاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت