فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 604
والفاء في العبارة دلّت على أنّهم خرّوا ساجدين عقب ابتلاع العصا المنقلبة حيّة كلّ ما صنعوا، فلم يكن منهم تلكّؤ ولا تريّث، اندهاشا بالحدث، ومعترفين بالخيبة، وأنّهم مغلوبون حقّا.
ساجِدِينَ: أي: حالة كونهم ساجدين حين ألقوا.
السّجود: يكون لغة بإحناء الظّهر وتطامنه، وأقصاه يكون بوضع الجبهة على الأرض.
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) :
يحكي اللّه عزّ وجلّ بهذه المقالة إعلانهم إيمانهم باللّه ربّ العالمين، الرّبّ الذي يدعو إلى الإيمان به موسى وهارون.
والمراد هنا من كونه ربّ العالمين، كونه ربّ كلّ ما في الوجود سوى اللّه عزّ وجلّ.
فأثار سجودهم وإعلانهم الإيمان بربّ العالمين ربّ موسى وهارون، غضب فرعون وسخطه الشّديد، فقال لهم ما أبانته الآية التالية:
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) :
اشتملت هذ الآية على بيان ثلاث قضايا وجّهها فرعون لسحرته الّذين آمنوا بربّ العالمين، وآمنوا بموسى وأسلموا:
القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لما قاله فرعون للسّحرة: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ:
فعل"آمن"يتعدّى بحرف الجرّ"الباء"فيقال لغة:"آمن به"أي:
اعتقده اعتقادا قلبيّا جازما به، فلما ذا عدّي هنا بالّلام؟.
أقول: ضمّن فعل"آمن"معنى فعل"أسلم"فعدّي تعديته، فصار