فهرس الكتاب

الصفحة 5605 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 605

المعنى: آمنتم به وأسلمتم له، وبهذا التضمين مع التّعدية الّتي تلائم الفعل المضمّن غير المذكور في اللّفظ، أغنت الجملة الواحدة عن جملتين، وهذا من روائع الإيجاز القرآنيّ.

ويقال في التقدير: آمنتم به مسلمين له.

ودلّت عبارة قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ على أنّ من نظام الحكم الفرعونيّ، أنّه ليس لأحد من رعيّة فرعون، أن يؤمن بشيء على خلاف دين فرعون إلّا بإذنه، فإن فعل شيئا من ذلك، استحقّ العقاب الّذي يقضي به فرعون، ومنه الصّلب بعد تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف.

فالدّين في نظامه تجبر عليه رعيّته بسلطان القوّة.

"الإذن"يأتي في اللّغة بمعنى"العلم". ويأتي بمعنى"الإباحة"وهذا المعنى الثاني هو الملائم هنا.

القضية الثانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لمعنى ما قاله فرعون للسّحرة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:

في هذا القول حكم عليهم بإدانة افترائيّة، قرّر فيها فرعون أنّ ما جرى قد كان مؤامرة مدبّرة بينهم وبين موسى، وأنّهم كانوا متفقين معه على أن يظهروا عجزهم، وأن يغلب سحره سحرهم، وأن يخرّوا ساجدين معلنين إيمانهم وإسلامهم. إذ هو كبيرهم الّذي علّمهم السّحر، واتّفقوا معه على أن يكونوا شركاءه في حكم مصر، بعد إسقاط حكم فرعون.

ويظهر أنّ فرعون أعلن هذا لإقناع جماهير المصريّين بأنّ ما جرى مؤامرة مدبّرة، حتّى لا ينساقوا وراء السّحرة فيؤمنوا بموسى نبيّا ورسولا لربّ العالمين، ويسلموا له، وبذلك يفلت زمام الأمر من يده جماهيريّا، مع أنّ ما أعلنه ليس له أمارة تدلّ عليه، فقد كان موسى خارج مصر فارّا من القتل كما سبق بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت