معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 613
قول اللّه عزّ وجلّ:
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) :
تبادر لأذهان كثير من المفسّرين، أنّ اللّه عزّ وجلّ ملّك بني إسرائيل، ما كان لفرعون وآله وعلية قومه في مصر، ففهموا هذه الآية على وفق هذا الّذي تبادر لهم.
مع أنّ الثّابت تاريخيّا أنّ بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر بعد أن خرجوا منها، بل أبقاهم اللّه عزّ وجلّ تائهين في صحراء سينا وما حولها، ممّا يتّصل بها برّا أربعين سنة، لأنّ معظمهم قد رفضوا أن يدخلوا أرض الكنعانيّين مقاتلين، وقالوا لموسى عليه السّلام: إنّ فيها قوما جبّارين، وإنّا لن ندخلها ما داموا فيها. وقالوا له: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون.
وبعد أن توفّي هارون ثمّ موسى عليه السّلام، ومضت أربعون سنة تائهين في الأرض، غير مستقرّين في مدن ولا قرى، وبعد أن نشأ جيل جديد قادر على القتال، هيأ اللّه عزّ وجلّ من يقودهم، فدخلوا أرض الكنعانيّين بقتال، وهي أرض فلسطين، ونصرهم اللّه عزّ وجلّ وملّكهم ما كان لملوك هذه الأرض الجبابرة الوثنيّين الكفرة، من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم.
وبالتأمّل والتفكير الدقيق، ظهر لي أنّ قول اللّه عزّ وجلّ: كَذلِكَ يراد به أنّه قد حصل لقوم آخرين غير أهل مصر نظير ما حصل لأهل مصر مع بني إسرائيل، فنصر اللّه بني إسرائيل عليهم، وملّكهم ما كان لملوكهم وأثريائهم من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم، وهنا يأتي موقع قول اللّه عزّ وجلّ: ... وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) : أي: وجعلنا بني إسرائيل هم المالكين لها، بعد مالكيها السّابقين، عن طريق القتال والحرب والمعونة الرّبّانيّة.