معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 621
والمسبّبات في الناس، قصّة موسى، والآيات الّتي أجريناها له، فلم يكن لها أثر في فرعون وملئه وشعبه المعاندين المكابرين المصرّين على باطلهم، أشباههم، اتل عليهم نبأ إبراهيم في دعوته لقومه الوثنيّين، الّذين تشابه حالهم حالهم، فإبراهيم والد جدّهم إسماعيل، وهو الّذي أعلمه اللّه بمكان الكعبة المشرّفة أوّل بيت وضع للنّاس، الّتي يرتبط بها مجدهم بين العرب، وهو الذي بناها مع ولده إسماعيل، وبيّن لهم أنّه قد كان عدوّا للأوثان الّتي كان قومه يعبدونها، وهاجر مفارقا لهم، وقدم إلى وادي مكّة وترك فيه ولده إسماعيل مع أمّه هاجر، ليؤسّس أمّة مؤمنة بتوحيد الرّبّ، وبوحدانيّته في إلهيّته، ثمّ أقام بناء الكعبة للتّوحيد ومحاربة الوثنيّة بكلّ أشكالها وصورها.
تلاوة القرآن: النّطق به مع تتبّع حروفه وكلماته كما أنزله اللّه، فإذا كان تتبّعا للمكتوب فهي قراءة.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) :
[إذ] ظرف لحدث مضى مبنيّ على السّكون، والعامل فيه هنا [اتْلُ] أي: أتل عليهم كلام إبراهيم حين قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟ ومناظرته لهم بعد هذا السّؤال.
بدأ إبراهيم عليه السّلام دعوته لأبيه فقومه بسؤالهم عمّا يعبدون، ليستفهم عن حقيقة الأصنام الّتي يعبدونها، وليعرف ما يعتقدون من صفات لها تستحقّ عندهم أن تعبد بحسب مفهوماتهم، أو ليكشف جهلهم وحماقتهم في عبادتها.
وبدؤه بأبيه التزام بمنهج الحكمة في الدّعوة إلى اللّه، إذ تقتضي البدء بالأقربين، فمن يأتي بعدهم في القرب، حتّى قومه، ثمّ من بعدهم من الأقوام الأقرب فالأقرب.