معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 623
والتقدير: فنظلّ عاكفين عليها عابدين لها.
[فَنَظَلُ] : أي: فنداوم على عبادتها بالعكوف. يقال:"ظلّ نهاره يفعل كذا". وقد يأتي هذا الفعل بمعنى الدوام ولو في غير النهار.
وإذا كانوا هم من عبّاد الكواكب فإنّهم يعبدون رموزها الّتي هي الأصنام في النهار، ويتوجّهون لعبادتها في اللّيل عند ظهورها في السّماء.
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) :
كان إبراهيم عليه السّلام يعلم من حال قومه أنّهم يعبدون أصنامهم بالدّعاء، ويؤمنون بأنّ عبادتهم لها تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرّا، دلّ على هذا سؤالان لقومه جاء بيانهما في هاتين الآيتين.
طرح إبراهيم عليه السّلام على أبيه أوّلا فقومه بعد ذلك سؤالين:
السّؤال الأوّل: هل يسمعونكم حين تدعونهم لمطالب حياتكم من رزق، ونصر، وذرّيّة، وأمن، ونحو ذلك من مطالب الحياة.
نزّل أصنامهم منزلة العقلاء أهل العلم، مجاراة لهم في معتقدهم، وربّما كانت صور أصنامهم على صور بشر ماتوا، فذكرهم بصيغة جمع العقلاء.
السّؤال الثاني: هل ينفعونكم فتعبدونهم ليحقّقوا لكم نفعا؟ هل يضرّونكم فتعبدونهم لاسترضائهم حتّى لا يضرّوكم؟ أو هل يضرّون أعداءكم فتعبدونهم لإنزال الضّرر بهم؟
أسئلة تابع بها إبراهيم عليه السّلام مناظرته لقومه، الّتي بدأها بالسّؤال الأول: ما تعبدون؟
هذا منهج جدليّ حكيم يباشر الموضوع من أقرب السّبل.
ويظهر أنّهم عجزوا عن إثبات أنّ أصنامهم تسمع دعاءهم، وعجزوا عن إثبات أنّها تجلب نفعا أو ضرّا كما سبق بيانه.