معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 626
[سورة الشعراء (26) : الآيات 78 إلى 82]
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
فذكر إبراهيم عليه السّلام من صفات ربوبيّة ربّ العالمين التي له بها ارتباط شديد في حياته تسعة ظواهر
الظّاهرة الأولى: أنّه خلقه، إذ لم يكن قبل خلقه له شيئا مذكورا، فقال: الَّذِي خَلَقَنِي، أي: الذي حدّد مقادير كلّ شيء فيّ، وابتدعني من العدم، بعد أن لم أكن شيئا مذكورا.
الخلق: يأتي في اللّغة بمعنيين:
المعنى الأول: التقدير، وهو إعطاء أجزاء الشّيء مقاديرها بإتقان.
المعنى الثاني: ابتداع الشّيء على غير مثال سبق، وإيجاده من العدم.
وكلا هذين المعنيين مرادان هنا، فاللّه الخالق عزّ وجلّ أبدعه من العدم على غير مثال سبق، وأعطى أجزاءه مقاديرها بعظيم حكمته، المقترنة بعلمه المحيط بكلّ شيء، وأتقن صنعه.
الظاهرة الثانية: أنّه يهديه لتنفيذ الأعمال المحقّقة للأغراض منها، وهذه الهداية تشمل كلّ تصرّفاته الإراديّة، الجسديّة والنّفسيّة، فقال: فَهُوَ يَهْدِينِ، أي: فهو وحده الّذي يهديني، ومن أمثلة هذه الهداية الرّبانيّة ما يلي:
1 -هداية الطّفل الصّغير إلى كيفيّة ارتضاع الثّدي، بعد أن أعطى كلّ جزء من فمه المقدار الحكيم الملائم للرّضاع.
2 -هداية أصابع اليدين للقيام بوظائفها العمليّة الحركيّة، بعد أن