معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 628
إنّ اللّه جلّ جلاله ربّ العالمين هو الذي خلق الماء وسائر الأشربة الّتي يعتبر الماء العنصر الأكثر والأعظم فيها، وهو الذي يصعد مياه البحار ويجعلها سحابا، ثمّ ينزلها ماء طهورا سائغا للشّاربين، وهو الذي خلق في أجساد الشّاربين الأدوات الصالحات لإيصال الماء إلى مواضع الحاجة إليه من الأجساد، وجعل لما يحمل من فضلات مؤذيات أدوات تصريف لها.
ولو اختلّ شيء من ذلك عن سوائه لتعطّلت حياة الأحياء، واشتدّت آلامها.
الظاهرة الخامسة: ظاهرة الأمراض الّتي هي من عناصر ابتلاء اللّه لعباده في الحياة الدّنيا، ليذكّر عباده به، فيعودوا إليه بالدّعاء والخضوع والتّذلّل، سائلين أن يشفيهم.
وقد تأدّب إبراهيم عليه السّلام مع ربّه، فلم ينسب إليه القضاء بالمرض الذي هو من قضائه وقدره، بل قال:
وَإِذا مَرِضْتُ.
الظاهرة السّادسة: ظاهرة الشّفاء من المرض، الذي لا يتحقّق إلّا بتقدير من اللّه عزّ وجلّ وقضاء، فقال عليه السّلام: فَهُوَ يَشْفِينِ، جوابا لقوله: وَإِذا مَرِضْتُ.
إنّ الشفاء من عوارض الأمراض، لا يكون إلّا بقدر من اللّه وقضاء، فإذا قضى اللّه بالشّفاء ألهم الطبيب الدّواء الذي جعله هو سببا للشفاء، فشفى به المريض، الدّواء سبب من الأسباب الّتي خلقها هو في كونه، والشّفاء لا يتحقّق إلّا بتقديره وخلقه، فتعالى الخلّاق الفعّال ما يشاء على ما يشاء.
الظاهرة السّابعة: ظاهرة إماتة الأحياء، إنّها هي خلق من خلق اللّه، إذ يتحقّق الموت بفصل الرّوح الّذي هو السّرّ الرّبّانيّ الذي تكون به النفوس حيّة، فإذا فصل عنها صارت ميّتة.