معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 629
وكلّ من الوصل والفصل إنّما يكون بخلق اللّه وفعله.
فقال إبراهيم عليه السّلام: وَالَّذِي يُمِيتُنِي، ومعلوم أنّ الموت يقين لا يجحده أشدّ النّاس كفرا وعنادا.
الظّاهرة الثّامنة: ظاهرة إعادة الحياة للموتى يوم البعث، وقد أراد إبراهيم أن يعلن إيمانه بيوم الدّين، الّذي يبعث فيه النّاس إلى الحياة الأخرى، للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، على ما قدّم العبد في حياة الامتحان في الدّنيا من إيمان وكفر، وخير وشرّ، فقال في دعوته لأبيه وقومه: ثُمَّ يُحْيِينِ، أي: ويحييكم ليحاسبكم، ويفصل قضاءه بينكم، وليجازيكم بحسب ما كسبتم في رحلة امتحانكم في الحياة الدنيا.
الظاهرة التاسعة: ظاهرة غفران اللّه لمن آمن من عباده وأسلم له، وسأله أن يغفر له، وهذه الظاهرة تكون يوم الدّين، ويطمع بها المؤمنون المسلمون، فقال إبراهيم عليه السّلام:
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) :
وقد اعتبر إبراهيم عليه السّلام هذه الظاهرة الّتي يؤمن بها، مع الظّاهرة الثامنة الّتي أعلن إيمانه أيضا بها، مماثلتين للظواهر السّابقة لهما في بيانه الدّعويّ، نظرا إلى أنّ الإيمان باللّه وباليوم الآخر وما فيه من حساب، وفصل قضاء، وتحقيق جزاء، هما الرّكنان الأعظمان في أسس العقائد الإيمانيّة في الدّين الذي اصطفاه اللّه لعباده، في كلّ ما بعث به أنبياءه ورسله.
ومن حكمة إبراهيم عليه السّلام الدّعويّة أنّه عرض عقيدته الإيمانيّة لأبيه ولقومه، ليترك لهم فرصة مناظرته بشأنها، وعندئذ يقدّم حججه البرهانيّة حول ما يبدون من شكوكهم بشأنه.
وظاهر في دعوة إبراهيم لأبيه وقومه بشأن الإيمان باللّه وباليوم