فهرس الكتاب

الصفحة 5630 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 630

الآخر، أنّها تعتمد على الأسلوب غير المباشر، إذ بيّن لهم إيمانه بالقضايا الّتي عرضها، ولم يقل بصريح العبارة أدعوكم إلى الإيمان بها، لكن يفهم هذا باللّزوم الذّهني.

وأتبع عليه السّلام بيانه لما يؤمن به بشأن القضايا الّتي عرضها، بدعاء دعا به ربّه الّذي أبان أنّه ربّ جميع العالمين، فقال:

[سورة الشعراء (26) : الآيات 83 إلى 89]

رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)

يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)

عناصر هذا الدّعاء تؤكّد إيمانه بيوم الدّين إيمانا لا شكّ يخالطه، ودعاؤه ربّه بها أمام أبيه وقومه، هو في الحقيقة دعوة غير مباشرة، إلى الإيمان بمثل ما يؤمن هو به، والمطالب الّتي سألها ربّه في دعائه، تستثير دوافع ذوي العقول الرّشيدة إلى طلبها والتعلّق بها.

وهي خمس مطالب لنفسه، ومطلب لأبيه دفعته إليه عاطفته نحوه، إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ أبان له أنّه لا يجوز الدّعاء بالمغفرة لكافر، لأنّ مثل هذا الدّعاء يتنافى مع قضاء اللّه بشأنه، لكن أبان اللّه عذر إبراهيم عليه السّلام بأنّ دعاءه لأبيه قد كان عن موعدة وعدها إيّاه بأن يؤمن، فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه.

وفيما يلي شرح عناصر الدّعاء الخمسة، الّتي دعاها إبراهيم عليه السّلام ربّه لنفسه:

العنصر الأول: قوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا:

الحكم: فقه الأمور، ومعرفة الحقّ والباطل وحدودهما، ومعرفة الخير والشرّ وحدودهما، ومعرفة الحسن والسّيّئ وحدودها، والجميل والقبيح وحدودهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت