معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 632
وجاء في القرآن لفظ"الصّالحين"وصفا للأنبياء والمرسلين، وطائفة من المؤمنين، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات بإذنه اللّه.
العنصر الثالث: قوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) :
أي: واجعلني دواما حتّى آخر نفس من أنفاسي في الحياة الدّنيا من كاملي الصّلاح، حتّى يكون لي ثناء حسن صادق مطابق لواقع حالي في الآخرين من الناس، بمقتضى سنّتك في عبادك الصالحين.
لِسانَ صِدْقٍ: أي: ثناء صادقا لا مبالغة فيه ولا زيادة عن واقع الحال الذي تجعلني فيه،"أطلق اللّسان وأريد به الثناء الحسن الّذي ينطق اللّسان به، وإضافة اللّسان إلى الصّدق من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لسانا صدقا، وهذا من الوصف بالمصدر للدّلالة على المطابقة التامّة بين الثّناء والصّدق فيه."
وهذا الاستعمال هو من استعمالات العرب في أقوالهم، ونظيره قولهم:"رجل صدق"0 أي: رجل نعم هو رجلا. و"امرأة صدق": أي:
وامرأة نعمت هي امرأة، فهو تعبير من تعبيرات الثناء والمدح.
ومن نظائره في القرآن:"قَدَمَ صِدْقٍ - مَقْعَدِ صِدْقٍ - مُبَوَّأَ صِدْقٍ - مُدْخَلَ صِدْقٍ - مُخْرَجَ صِدْقٍ - لِسانَ صِدْقٍ"، أي:
قدم نعم هو قدما- مقعد نعم هو مقعدا- مبوّأ نعم هو مبوّأ- مدخل نعم هو مدخلا- مخرج نعم هو مخرجا- لسان نعم هو لسانا"."
والوصف بالمصدر مثل:"رجل عدل"يدلّ على كمال المطابقة بينه وبين الصّورة المثلى لنوعه، فالرّجل الكامل في نوعه يكون متّصفا بأكمل صور العدالة. والمقعد الكامل في صفات حسنه، هو ذو الصّورة المثلى لنوعه، فإطلاق المقعد الكامل عليه إطلاق فيه كمال الصّدق، وهكذا إلى سائر الأمثلة.