معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 633
وسؤال إبراهيم عليه السّلام الثّناء الحسن الصّادق في الآخرين، هو في الحقيقة دعاء بكمال المداومة على أن يكون من كاملي الصالحين، طوال أزمان حياته في الدّنيا، حتّى آخر زمن من أزمان حياته فيها، وهو عليه السّلام يعلم من سنّة اللّه في عباده، أنّ من كان كذلك جعل اللّه له ثناء حسنا صدقا في الآخرين بعد موته إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ويستمرّ كذلك في الآخرة يوم الدّين.
وأجرى اللّه عزّ وجلّ سنّته، فجعل لإبراهيم عليه السّلام لسان ثناء غاية في الصدق في الآخرين، إذ كان طوال حياته من كاملي الصّلاح.
العنصر الرابع: قوله: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) :
مِنْ وَرَثَةِ"ورثة": جمع"وارث"وهو من يصير إليه ما كان لغيره من مال، أو مجد، أو غيرهما، دون عوض.
وقد علم إبراهيم عليه السّلام، أنّ دخوله جنّة نعيم يوم الدّين إنّما يكون بفضل اللّه لا بأعماله مهما كانت صالحة، فطلب من ربّه أن يتفضّل عليه فيجعله من ورثة جنّة نعيم، بفيض عطائه، وربّما لاحظ مع هذا أنّ الجنّة معدّة إعدادا صالحا لنعيم كلّ الإنس والجنّ فيها إذا آمنوا وأسلموا، لكنّ أكثرهم سيكونون بالامتحان من أهل النار لا من أهل الجنّة، فيرث أهل الجنّة ما كان مهيّأ للّذين استحقّوا دخول النار بالامتحان، فيملكونها ميراثا بلا عوض.
وبهذا يكون ميراث الجنّة بمعنى الهبة بلا عوض، وبمعنى امتلاك ما كان مهيّأ لآخرين، لكنّهم حجبوا عنه بكفرهم، وأدخلوا دار العذاب النار.
العنصر الخامس: قوله: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) :
وَلا تُخْزِنِي: يأتي في اللّغة الخزي للدّلالة على عدّة معان: