معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 634
المعنى الأول: الوقوع في الشرّ والعذاب والمصائب والبلايا.
المعنى الثاني: الافتضاح بالقبائح والسيّئات والآثام المكتومة، المورثة للخجل الشديد منها.
المعنى الثالث: الاستحياء ممّا ينزل من ذلّ وهوان.
وهذه المعاني كلّها صالحة لأن تكون مرادة هنا، على معنى اخفظني ربّ واعصمني مما يكون سببا في إنزال العذاب بي، وسببا في افتضاحي بالقبائح والسّيّئات، وسببا فيما يخجلني من ذلّ وهوان، يوم يبعث الإنس والجنّ للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
وهذه العصمة تكون بإعانته وتوفيقه حتى يداوم على الاستقامة على صراط اللّه اعتقادا، وقولا، وعملا، ونيّة.
فدعا بأن يكون معصوما في الدّنيا من المعاصي، ليكون محميّا من الخزي يوم الدين.
وقد أعلن إبراهيم عليه السّلام بدعائه هذا أمام أبيه وقومه، أنّ إيمانه وإسلامه لربّه نابع من خوفه من عذاب يوم الدّين، ومن افتضاحه بالقبائح، وممّا يخجله من ذلّ وهوان بسبب تنكّبه صراط اللّه المستقيم، فهو يسأل لنفسه الحفظ والعصمة والاستقامة على طاعة ربّه حتّى آخر نفس من أنفاسه في الحياة الدّنيا.
والعاقل الرّشيد من قومه لا بدّ أن يتأسّى به، شعورا منه بأنّه صادق حقّا في دعائه، خائف حقّا من خزي يوم الدّين، وهذا الأسلوب من أشدّ الأساليب غير المباشرة تأثيرا في الآخرين.
وأتمّ إبراهيم عليه السّلام استعطافه لربّه في دعائه بوصفه ليوم البعث بما يعلم من العقائد الإيمانيّة بشأنه، فقال: