معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 635
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
لفظ يَوْمَ لا يَنْفَعُ ... بدل من: [يَوْمَ يُبْعَثُونَ] .
والمعنى: يوم لا ينفع مال أحدا كان قد جمعه في الدنيا، وأنفقه أو تركه ميراثا، بالغا ما بلغ، ولا ينفع أحدا أبناؤه الّذين كان في الدنيا يعتزّ بهم، وكانوا ينصرونه، والبنون هم ألصق الناس بالرّجل لنصرته.
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) : أي: إلّا من أتى اللّه بعد موته بقلب سليم خال من الأمراض الصارفة له عن الإيمان، وعن طاعة اللّه في أوامره ونواهيه، كمرض الكفر، وكمرض كبائر الذنوب والآثام.
وذو القلب الّذي كان في الحياة الدّنيا سليما من مرض الكفر، وأمراض كبائر الذّنوب والآثام، وأتى ربّه يوم الدّين وهو سليم القلب، قد ينتفع بثواب أمواله التي كان قد جمعها ممّا أذن اللّه به، وأنفقها فيما أذن اللّه به، وأدّى الحقوق الّتي فرضها اللّه فيها.
وذو القلب الذي كان في الحياة الدّنيا سليما من مرض الكفر، وأمراض كبائر الذّنوب والآثام، وأتى ربّه يوم الدّين وهو سليم القلب، قد ينتفع ببنيه، إذ يجد في صحيفته ثواب تربيته لهم تربية إيمانيّة إسلاميّة، وقد ينتفع بأدعية كانوا قد دعوا بها في حياتهم لأبيهم، فاستجابة اللّه دعاءهم هو من آثار أعمالهم الصالحة، وهذه تظهر يوم الدّين، وبهذا يكون الأبناء نافعين لآبائهم.
ويلحق بالمال كلّ ما يملك الإنسان في الحياة الدنيا أن يتصرّف فيه، ويلحق بالبنين كلّ من للإنسان به صلة ما نتج عنها دعاء صالح مقبول عند اللّه، أو عمل ما ممّا فيه رضوان للّه عزّ وجلّ، وكان لهذه الصّلة تأثير في كسب عمل مبرور مأجور عند اللّه.
فالاستثناء الوارد في العبارة على وفق هذا الفهم استثناء متّصل