معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 636
بوضوح، وقد اتّجهت لهذا الفهم، لأنّه لا مال لأحد يوم الدّين، حتّى يتصوّر أنّه ينفعه، إلّا إذا اعتبرنا أنّ العبارة على تقدير أنّه لا أحد يملك يوم البعث مالا حتّى يتصوّر أنّه تنفعه، ولا أحد يجتمع حوله بنوه، حتى يتصوّر أنّهم قد ينصرونه، إذ يفرّ المرء يومئذ من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه، فلكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
واتّباعا لبيان إبراهيم عليه السّلام في دعوته لأبيه وقومه، وإذ وصل إلى غاية ما أراد إسماعه بأسلوب غير مباشر، كان من الحكمة في البيان القرآني، أن يقدّم اللّه عزّ وجلّ لقطات عن الجنّة والجحيم، من أحداث يوم الدّين، ليست من كلام إبراهيم عليه السّلام، لكن استدعتها المناسبة، وفي ذكرها عقب كلامه، إشعار بأنّ كلامه فيما يتعلّق بقضايا الدّين ويوم يبعثون حقّ وصدق، فهو بمثابة كلام صادر عن اللّه جلّ جلاله.
فقال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة الشعراء (26) : الآيات 90 إلى 102]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)
في هذه الآيات مشهد من مشاهد يوم القيامة، يوم الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وفيها لقطات من أحداث يوم الدّين، هي بالتفصيل خمس لقطات:
اللّقطة الأولى: تقريب الجنّة إلى حيث يراها المتّقون في مكان تجميعهم الخاصّ بأصحاب اليمين، الواقع إلى جهة يمين العرش، من أرض المحشر. دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) .