فهرس الكتاب

الصفحة 5654 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 654

قال اللّه عزّ وجلّ قاصّا ما دعا به نوح عليه السّلام ربّه:

قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) :

فأبان نوح عليه السّلام في دعائه لربّه أنّه يئس من إيمان قومه عن طريق إراداتهم الحرّة يأسا نهائيّا، إذ قال في دعائه: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ وفي قراءة يعقوب: [كذّبوني] بإثبات ياء المتكلّم، أي: إنّ كلّ قومي كذّبوني باستثناء القلّة الّذين آمنوا بي واتّبعوني، ومنعوني من متابعة دعوتي في عامّتهم، فلم يبق لي مطمع في هداية أحد منهم غير الّذين آمنوا بي، وقد بلغوا دركة التّكذيب الجازم لي، بعد كلّ بياناتي ومجادلاتي لهم.

وطوى عليه السّلام في دعائه لربّه، ذكر تهديد كبراء قومه له ولمن آمن به واتّبعه، بالقتل رجما بالحجارة، إذا تابعوا الدّعوة في عامّتهم إلى الإيمان باللّه وبالدّين الّذي اصطفاه لعباده، واكتفى في دعائه بقوله:

فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) :

الفتح: يطلق في اللّغة على النّصر، ويطلق على الحكم والقضاء.

ويظهر أنّ المراد بقول نوح عليه السّلام في دعائه لربّه: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا فاقض ربّ واحكم بيني وبين قومي، منتصرا لأوليائك على أعدائك بما تشاء من فتح، فقد وصل قومي إلى دركة لا مطمع بعدها في استجابتهم عن طريق إراداتهم الحرّة لدعوة الحق، ولم يبق إلّا أن تفصل الحكم والقضاء المعجّل في الحياة الدّنيا بحكمتك بيني وبينهم.

ولم يذكر نوح عليه السّلام في دعائه لربّه نوعا من أنواع الفتح الّذي سأله ربّه، بل قال: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا، أي: فتحا ما بحكمتك وعلى مرادك. وربّما يكون مراده فتحا عظيما شاملا يناسب غلوّهم في العناد والكفر والتّكذيب، ويناسب توعّدهم له بالقتل رجما بالحجارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت