فهرس الكتاب

الصفحة 5655 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 655

وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: أي: ونجّنا ممّا توعّدونا به، فالموقف بيننا قد صار موقف قوّة مادّيّة، لا نستطيع مواجهتها بقوّتنا دون أن تنصرنا أنت بنصرك ربّنا.

لقد كانت قوّة نوح ومن معه من المؤمنين لا تكافئ بمقتضى نظام الكون السّببيّ قوى قومه الّذين توعّدوهم بالرّجم بالحجارة.

ونستطيع أن نفهم أنّ نوحا عليه السّلام، قد توقّف منذ ذلك الحين، عن القيام بدعوة كفّار قومه إلى دين اللّه، واقتصر على الّذين آمنوا به واتّبعوه، خشية أن يتعرّض هو ومن آمن معه للقتل، بدليل أنّ النّصوص القرآنيّة المتعلّقة بقصّة نوح لم تذكر شيئا عن أعمال قام بها كفّار قومه لتنفيذ ما توعّدوهم به.

ونستطيع أن نفهم أيضا أنّ دعاء نوح عليه السّلام بقوله: وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قد كان بعد أن ضاق صدره بالتزام الصّمت عن الدّعوة إلى سبيل ربّه، وهو ذو البيان والحجج الجدليّة الدّامغة، خوفا على نفسه وعلى من آمن به واتّبعه، من أن ينفّذ فيهم قومهم قرارهم الظالم الآثم الطاغي، فيرجموهم بالحجارة حتّى القتل.

وطوى النصّ هنا أحداثا جرت بين هذه المرحلة، وبين نجاة نوح في الفلك، وما تبعه من إغراق كفّار قومه.

واعتبر الفاصل الزّمنيّ بينهما مهما كانت مدّته بمثابة الصّفحات المنزوعات من مجريات القصّة، فقال اللّه عزّ وجلّ:

فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) :

الفاء في [فَأَنْجَيْناهُ] فصيحة تعطف على منحذوف، يمكن استخراجه ذهنا، والتقدير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت