معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 670
من عقاب اللّه المعجّل لهم على كفرهم وقبائح أعمالهم، ومعاصيهم لبارئهم، وهذه أمور تستدعي بحسب سنّة اللّه في عباده، أن يسلبهم اللّه ما هم فيه من نعم وافرة، باطنة وظاهرة.
فمن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة"الأمن"دلّ عليها قوله لهم: آمِنِينَ، أي: أيترك لكم ربّكم نعمة الأمن، وأنتم تكفرون به، وتعبدون من دونه شركاء، وتعصونه بالظّلم والعدوان، والبغي والفجور في الأرض. ومن سنّته في عباده أن ينزل عقوبته ويسلب نعمه عن الّذين تصل خطاياهم إلى مثل الحال الّتي وصلتم إليها.
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة الجنّات، وهي الحدائق المكتظّة بالأشجار، ذوات الظلّ والثمار.
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة العيون الّتي كان اللّه عزّ وجلّ يفجّرها لهم، فيشربون منها ماء حسنا، ويسقون منها أنعامهم وزروعهم.
ومن النّعم الّتي كانوا يستمتعون بها نعمة الزّروع المختلفة لهم ولأنعامهم ودوابّهم، إذ ينبتها لهم، ويحميها لهم من الآفات والجوائح، ولو لا حفظ اللّه العليم الحكيم الرّحيم لها، لتعرّضت للآفات والجوائح المتلفة والمدمّرة لها.
وخصّ عليه السّلام بالذكر نعمة أشجار النّخل ذوات الطّلع الهضيم، لأنّ أشجار النّخيل أكرم الأشجار وأنفسها عند سكان شبه الجزيرة العربيّة منذ ما بعد عصر نوح عليه السّلام.
طَلْعُها هَضِيمٌ: أي: ثمرها ناعم لطيف ليّن مريء. أقول: وهو أيضا سهل الهضم في الجوف، لأنّ"هضيما"بمعنى مهضوم، والطّعام المهضوم هو الّذي يسهل في المعدة تفتيته، ويسهل في الأمعاء امتصاص عناصره النافعة، وانحدار فضلاته.