معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 674
قول اللّه عزّ وجلّ يحكي بعض أقوال كبراء ثمود في ردّهم دعوة رسولهم صالح عليه السّلام إلى دين اللّه الحقّ:
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) :
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ: عبارة فيها قصر بأداة"إنّما"أي: ما أنت إلّا من المسحّرين، وهو قصر إضافي، أي: ليس لك من الصّفات بالنسبة إلى ادّعائك الرسالة إلّا أنك مسحّر.
"المسحّر": الّذي سحر مرّة فمرّة حتّى فسد عقله ومسّه الخبل. يقال لغة:"سحّر السّاحر فلانا"، أي: سحره مرّة فمرّة حتّى تخبّل عقله، وضاع رشده.
فاتّهم كبراء ثمود رسولهم صالحا عليهم السّلام بأنّه مسحّر، وليس مجرّد مسحور، أي: إنّ السّحر الّذي سلّط عليه جعله مختلّ العقل مخبّلا، لا يقدّر خطورة ما يقول بشأن كبراء قومه، وواجهوه بهذا الاتّهام، ولم يقولوه في غيبته.
وتعلّلوا لرفض نبوّته ورسالته بأنّه بشر مثلهم، موهمين بأنّ كونّه بشرا ينافي كونه نبيّا ورسولا مبعوثا من قبل ربّ العالمين، فقالوا له:
ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، أي: ليس لك من الصّفات الشّخصيّة الخارجة عن نظام البشر، كعدم حاجتك إلى الطعام والشّراب، وعدم حاجتك إلى أن تتزوّج، ما يؤهّلك لأن تكون نبيّا تتلقّى الوحي عن اللّه ربّ العالمين، ولأن تكون رسولا تحمل رسالة منه وتبلّغنا إيّاها.
وتعلّل كفّار الأمم ببشريّة أنبيائهم ورسلهم ظاهرة مألوفة، على الرّغم من فساد ما تعلّلوا به بمقاييس العقل السّويّ، والحجج المنطقية البرهانية.
وقد سبق أن أوضحت هذا في الملحق الثالث من ملاحق تدبّر سورة