معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 586
الشّيطان منه، ثمّ أعيد قلبه إلى مكانه وضمّ صدره بعضه إلى بعض عند مكان الشّقّ، والتأم مكان الشّرح.
وهذه الحادثة الّتي جرت للرّسول على خلاف مجرى العادات، صارت في عصرنا من العمليات الجراحيّة الطبيّة المنتشرة المعروفة عند كلّ شعوب الأرض، ولكن يتمّ بها علاجات جسدية بحت، لا تصل إلى مراكز الإرادات والعواطف والمعارف.
وقد ورد في وصف حادثة شقّ صدر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم روايات متعدّدة، منها ما يلي:
* روى مسلم عن أنس بن مالك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاه جبريل عليه السّلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظّ الشّيطان، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمه، ثمّ أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه (أي: مرضعته ومربّيته) فقالوا: إنّ محمّدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللّون"."
منتقع اللّون: أي: متغيّر مصفرّ ممّا حدث له من الخوف.
قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
* وروى أبو نعيم والإمام أحمد وصحّحه الحاكم عن عتبة بن عبد اللّه، أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: كيف كان أوّل شأنك يا رسول اللّه؟. قال:
"كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادا، فقلت: يا أخي، إذهب فأتنا بزاد من"