معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 587
عند أمّنا، فانطلق أخي، ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنّهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟. قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقّا بطني، ثمّ استخرجا قلبي، فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثمّ قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثمّ قال: ائتني بالسّكّينة، فذرّاها في قلبي. ثمّ قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النّبوّة. فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفّة، واجعل ألفا من أمّته في كفّة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم.
فقال: لو أنّ أمّته وزنت به لمال بهم.
ثمّ انطلقا فتركاني، وفرقت فرقا شديدا. ثمّ انطلقت إلى أمّي، فأخبرتّها بالّذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبّس بي، فقالت: أعيذك باللّه، فرحّلت بعيرا لها، وحملتني على الرّحل، وركبت خلفي، حتّى بلغنا إلى أمّي، فقالت: أدّيت أمانتي وذمّتي، وحدّثتها بالّذي لقيت فلم يرعها.
وقالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشّام"."
ورأى طائفة من المحقّقين أنّ حادثة شقّ الصّدر قد تكرّرت في حياة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، جمعا بين الروايات المتعدّدة المثبتة حدوثها في أزمنة مختلفة متباعدة.
هذا الشّرح الّذي هو بمعنى الشّقّ قد كان إحدى المنن الّتي امتنّ اللّه بها على رسوله، إذ أخرج من قلبه حظّ الشيطان، فكان بإخراجه منه منشرحا لأفعال الخير والبرّ والتحلّي بالفضائل والكمالات.