معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 693
جاء في العبارة استعمال حرف الشرّط"إن"للدّلالة على أنّهم لا يؤمنون بنبوّته ولا برسالته، فهم يطلبون منه هذا الطّلب على سبيل التّعجيز، وهم يعتقدون أنّه غير قادر على التنفيذ.
لقد غرّهم طول إمهال اللّه عزّ وجلّ لهم، مع وجود رسوله بينهم، يعالجهم بكلّ وسائل الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالّتي هي أحسن، ويرون أنّهم ممكّنون في أرضهم.
فأجابهم شعيب عليه السّلام بجواب دلّ عليه ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله:
قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) :
أي: لست أنا الّذي أسقط الكسف من السّماء، إنما الّذي يفعل ذلك هو ربّي، وربّي إنّما يفعله أو يفعل شيئا آخر يهلككم به، إذا علم من أعمالكم الظّاهرة والباطنة، الجسديّة والنّفسيّة، أنّكم صرتم تستحقّون إنزال العقاب الشّامل فيكم، واقتضت حكمته ذلك، إنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أعلم بما تعملون.
فتعذيبكم وإهلاككم إنّما يتم بتقدير ربّي وقضائه على وفق حكمته المقرونة بعلمه المحيط بكلّ شيء.
وحين وصل قوم شعيب عليه السّلام إلى دركة ميؤوس معها من أن يؤمنوا به وبما جاء به عن ربّه عن طريق إراداتهم الحرّة، بحسب طبائع النّفوس في الواقع البشريّ، وعنوان هذه الدّركة تكذيبهم إيّاه تكذيبا لا علاج له، بإقناع، أو ترغيب، أو ترهيب، أو جدال بالّتي هي أحسن، أنزل اللّه بهم وسائل تعذيبهم وإهلاكهم إهلاكا شاملا مستأصلا.
دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ: