معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 698
وبيان أنّ القرآن ليس من قبيل الشّعر على ما زعموا للتّباين بين أغراض الشعراء على يعلم كبراء مشركي قريش، إذ الشعراء في كلّ واد يهيمون، ويتّبعهم الغاوون، وبين القرآن الذي يشتمل على الإيمان والإسلام، وحقائق الوجود، وكمال الحكمة، وفضائل الأخلاق، وكمالات السّلوك الإنساني.
وهذه العناصر تستدعي مزيد تربية من اللّه لرسوله وللدّعاة إلى اللّه من أمّته، فجاءت الآيات من (213 - 220) فيها توجيه تربويّ ملائم للمرحلة الدّعويّة، الّتي يمرّ بها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إبّان نزول سورة (الشعراء) .
وبهذا نلاحظ النّسيج المتشابك في عناصر السّورة الّتي اشتملت عليها دروس السورة الثلاثة.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه عزّ وجلّ بادئا بالحديث عن القرآن ومخاطبا رسوله:
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) :
تمهيد:
إنّ حال المعنيّين بالمعالجة وهم كبراء مشركي قريش، الّذين جحدوا كون القرآن تنزيلا من ربّ العالمين، وحاولوا إقناع جماهيرهم بأنّه نوع من أنواع الشّعر المعجب، الذي توحي به الشياطين من الجنّ إلى قرنائهم من الإنس، على ما كانوا يعتقدون في الشعراء، قد اقتضى مزيد بيان لتأكيد أنّ القرآن تنزيل من ربّ العالمين، واقتضى دفع شبهة الشّعر عن القرآن، ودفع فرية أنّه مما توحي به الجنّ.
ولإدراك أنّ هذا الدرس الثالث مرتبط ارتباطا فكريّا بما جاء في