فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 702
وفي هذا ثناء على اللّغة العربيّة محرّض للعرب على أن يفتخروا بالقرآن الّذي أنزل بلسانهم معجزا من لدن ربّ العالمين، وهذا يدعوهم إلى الإيمان به، لا إلى جحوده والكفر به، مع وضوح دلائل الإعجاز فيه.
مُبِينٍ: من فعل"أبان"وهذا الفعل يأتي لازما، ويأتي متعدّيا، فعلى اللّزوم يكون المعنى:"هو واضح وظاهر"وعلى التّعدية يكون المعنى"هو موضح ومظهر"، أي: للمعاني الّتي يراد بيانها به، في كلمات وجمل وأساليب وحقيقة ومجاز وكنايات وتشبيهات.
وكلا المعنيين صالحان هنا، فهما مرادان، واللّه أعلم.
قول اللّه تعالى
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) :
زبر: جمع"زبور"وهو الكتاب المزبور، أي: المكتوب، يقال لغة:
"زبر الكتاب يزبره"أي: كتبه، أو أتقن كتابته، فهو مزبور وزبور.
لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ: أي: لفي الكتب الرّبّانيّة الّتي أنزلها اللّه على الرّسل السّابقين، لهداية الأمم الأوّلين.
أي: وإنّ ما جاء في القرآن من حقائق إيمانية، ومبادئ أخلاقية، وشرائع إسلاميّة، هي موجودة بوجه عامّ في الكتب السّابقة المنزّلة على الرّسل السّابقين، لهداية الأقوام والأمم الأوّلين، وهذه هي الّتي يجحدها المشركون.
وهذا البيان لا ينافي ما اختصّ اللّه به القرآن من علوم وإقناعات وجدليّات، لم تشتمل عليها زبر الأوّلين، لأنّ جحود الكافرين وإنكاراتهم منصبّة على أسس العقائد والأخلاق وشرائع المعاملات، وأحكام الحلال والحرام، فهي جوهر الدّين، وهي موجودة حتما في زبر الأوّلين، ولو على سبيل التوزيع بينها، بحسب أحوال الأمم الّتي أنزلت لهدايتها.