فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 704
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) :
الْأَعْجَمِينَ: قال أبو الفتح بن جنّي: أصل"الأعجمين"الأعجميّين، ثمّ حذفت ياء النّسب، وجعل جمعه بالياء والنّون دليلا عليها.
يشير هذا البيان ضمنا إلى العنجهيّة العربيّة والكبر القوميّ، الّذي يتّصف به هؤلاء المعنيّون بالمعالجة في السّورة.
فلو أنّ اللّه عزّ وجلّ جمع إلى إعجازه في مبانيه ومعانيه، وإنزاله على أمّيّ، برهانا آخر، فأنزله كتابا مكتوبا على بعض الأعجميّين من غير العرب، الّذين لا يحسنون في نشأتهم النّطق باللّسان العربيّ، فقرأه عليهم من الصّحف المنزّلة بلسان عربيّ مبين، ما كانوا به مؤمنين، ولا ستكبروا بعنجهيّتهم العربيّة عن اتّباع أعجميّ، مع رفضهم لما اشتمل عليه من حقائق الدّين الّتي تخالف أهواءهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء.
وفي هذا تيئيس للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمانهم، إذ وصلت حالتهم النّفسيّة من القسّوة والعناد والاستكبار إلى دركة لا يجدي معها أن يأتيهم ربّهم بآية حسّيّة على ما يطلبون، كعصا موسى، وإحياء الموتى لعيسى.
وفي هذا البيان تربية للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقطع رجاءه عن إيمان أكثرهم، وأنّ من الخير أن لا يحزن من أجلهم، وأن لا يحمل همّ إيمانهم، إذ يعرّض نفسه بحزنه عليهم وهمّه من أجلهم إلى التّهلكة، كما قال له في أوائل السّورة: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) .
وفي هذا البيان أيضا دمغ لهم بأنّهم مستكبرون جفاة معاندون، لا يستحقّون حرص الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على إيمانهم، وحزنه وهمّه من أجلهم، فهم سيلقون مصيرهم خزيا في الدّنيا، وسوف يلقون مصيرهم عذابا أبديّا في جهنّم يوم الدّين.