فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 711
الفاء في [أَفَرَأَيْتَ] فصيحة تعطف على محذوف يدرك بالتأمّل، ويمكن تقديره بما يلي: أفكّرت في حال هؤلاء المعاندين المكذّبين، فرأيت بفكرك وعلمت، أنّنا إن متّعناهم عدّة سنين بأنواع مختلفة من متاع الحياة الدّنيا، ثمّ جاءهم بعد هذه السّنين ما كانوا يوعدون من عذاب على لسان رسولهم بلاغا عنّا، فسيجدون أن كلّ متاع تمتّعوه من أموال الدّنيا ولذّاتها وشهواتها ما صرف عنهم شيئا من العذاب الأليم الّذي نزل بهم تحقيقا للوعد الّذي كانوا يوعدونه.
إنّ الإمهال والإنظار مع واقع حال قلوبهم المريضة يطيل مدّة استمتاعهم بمتاعات الحياة الدنيا الزائلة الفانية، فماذا يفعلون بعدها بالعذاب الخالد الأبديّ في الجحيم.
هل تدفع عنهم ذكريات المتاع الّذي متّعناهم إيّاه في الحياة الدّنيا شيئا من عذاب يوم الدّين، أو تخفّف عنهم شيئا من مقادير أنواع العذاب؟!
لقد كان باستطاعتهم أن يدفعوا عنهم الخلود في عذاب النّار بالتّنازل عن كبرهم وعنجهيّاتهم وحماقاتهم، وإعلانهم الإيمان والإسلام، ولن يخسروا من متاع الحياة الدّنيا إلّا شيئا قليلا هو ما حرّمه اللّه على عباده، إذا استقاموا، ويحمون أنفسهم من الخلود في عذاب النار إذا لم يستقيموا.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) :
هذا البيان موصول بما جاء في السّورة بشأن الأمم الّتي جاء بيان إهلاكها، وهم فرعون وجنوده، وقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط،