فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 713
وتحليل الآية كما يلي: وما أهلكنا من أهل قرية في تاريخ الناس، في حال من الأحوال، إلّا في حال أنّه قد كان لهم منذرون قد أنذروهم عذاب ربّهم المهلك، فتمرّدوا وعاندوا واستكبروا فعذّبوا وأهلكوا، إذ استحقّوا ذلك بمقتضى الحكمة.
"من"في مِنْ قَرْيَةٍ زيدت لتأكيد العموم والتّنصيص عليه.
إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ: استثناء من عموم الأحوال.
ذِكْرى: تأتي هذه الكلمة للدّلالة على ثلاثة معان:
المعنى الأول: الذّكرى: اسم للتّذكير. أي: يأتي في القرآن تكرير بيان إهلاك الكفرة المجرمين السّابقين، بعد إنذار رسلهم لهم بالإهلاك، إذا أصرّوا على كفرهم وعنادهم وجحودهم، تذكيرا بهذه السّنّة من سنن اللّه في عباده.
المعنى الثاني: الذّكرى: اسم للتّذكرة. أي: نضع أمام النّاس أمثلة إهلاكنا المجرمين السّابقين، لتكون بمثابة بطاقة مذكّرة، أو أيّة وسيلة مذكّرة كالرّتيمة، تذكّر بسنّتنا في عبادنا المجرمين.
المعنى الثالث: الذّكرى: اسم لتّذكّر. وهذا المعنى مستبعد هنا فيما أرى.
وَما كُنَّا ظالِمِينَ: أي: وما كنّا بإهلاكنا المجرمين من أهل القرى السّابقين ظالمين، بل كنّا عادلين نتصرّف بكمال الحكمة.
وفي هذا إلماح إلى أنّ إهلاك اللّه عزّ وجلّ لأمثال الأوّلين، من المجرمين الآخرين تحقيقا لسنّته في عباده، لن يكون فيه ظالما، بل يكون فيه عادلا يتصرّف في عباده بكمال حكمته.
فليتوقّع المجرمون من الآخرين تحقيق سنّتنا فيهم، مهما علوا في الأرض، وكانوا فيها ذوي قوى قاهرة، ومهما كانوا فيها جبّارين.