فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 717
مع دعائك اللّه معذّبا من المعذّبين المشركين، لأنّك بدعائك إلها آخر تكون مشركا من المشركين، أي: بعبادتك إلها آخر.
خاطب اللّه رسوله بهذا الخطاب، مع أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان، ولا هو كائن عند الخطاب، ولن يكون مستقبلا من المشركين الّذين يدعون ويعبدون مع اللّه إلها آخر، إذ هو معصوم عن كلّ معاصي مرتبة المتّقين بعصمة اللّه له، ليعلم الكافرون، وليعلم المؤمنون ولا سيما الدّعاة إلى اللّه منهم، أنّ الرّسول مخاطب بعقائد الإيمان وبشرائع الإسلام وأحكامه بوصفه أوّل مخاطب بها، فلا إعفاء له باعتباره رسولا مفضّلا مختارا، بل يجب عليه أن يكون أوّل المؤمنين، وأوّل المسلمين، والأسوة الحسنة لكلّ المكلّفين.
وإذا كان رسول اللّه وحبيبه المصطفى غير معفيّ من أن يكون معذّبا من المعذّبين، لو أنّه أشرك فدعا مع اللّه إلها آخر، فكيف يكون حال من دونه من المنهيّين عن أن يشركوا باللّه شيئا، أو يدعو مع اللّه إلها معبودا آخر.
فَلا تَدْعُ: أصل معنى الدّعاء، النّداء، والطّلب، والدّعاء للّه من أجلّ أنواع عبادته، وحمل الدّعاء معنى العبادة بوجه عامّ في الاستعمال.
فالمعنى: فلا تعبد مع اللّه إلها آخر.
القضيّة الثّانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) : وهذا ينسحب على كلّ داع إلى اللّه من أمّته.
هذه الآية تكشف أنّ الّذين حزن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أجلهم وحمل همّ الخوف عليهم أن لا يؤمنوا مستقبلا، فيكونوا من الخالدين في عذاب النّار يوم الدّين، والّذين قال اللّه له بشأنهم في أوائل هذه السّورة: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) ، قد كانت عشيرته الأقربون من أكثر الّذين كان يعاني الحزن والهمّ من أجلهم، خوف أن لا يكونوا مؤمنين، وإذ قد