فهرس الكتاب

الصفحة 5718 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 718

وصل هؤلاء إلى دركة ميؤوس معها أن يؤمنوا عن طريق إراداتهم الحرّة، وأنّ حالتهم يناسبها توجيه الإنذار الختاميّ لهم، فقد عالجهم اللّه ورسوله بكلّ مراحل العلاج البياني، مع شيء من علاجهم بالبأساء والضّرّاء، وفق سنّة اللّه في الأمم، فلم يستجيبوا لدعوة الحقّ.

والمعنى: فوجّه إندارك الختاميّ للمعنيّين بالمعالجة في هذه السّورة، وابدأ بإنذار عشيرتك الأقربين منهم، لأنّ البدء بهم يدلّ الآخرين على أنّك متجرّد في دعوتك من عواطفك نحو الأقربين من عشيرتك، إذ إنّك تبدأ بهم في توجيه الإنذار الختاميّ لهم، بأنّهم قد عرّضوا أنفسهم لانتقام اللّه منهم بإنزال العذاب المهلك لهم، وتفعل هذا طاعة لربّك، وابتغاء مرضاته.

هذا الفهم هو الّذي يدلّ عليه السّباق والسّياق في السّورة.

ولكن يشكل معه ما جاء في صحيح البخاريّ عن ابن عباس أنّ آية:

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وتطبيق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لها بإنذار عشيرته الأقربين، قد نتج عنه قول أبي لهب للرّسول: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ (1) ، وهي فيما ذكروا السّورة السّادسة من التّنزيل المكّي، وترتيب سورة (الشّعراء) عند علماء علوم القرآن (47) وليس في هذه السّورة ما يشعر بأنّها من أوائل التّنزيل المكيّ.

معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 8 ... 718

الحلّ أنّ آية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) قد نزلت على الرّسول تكليفا قبل نزول سورة (المسد) فأدّى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما جاء فيها تبليغا وإنذارا أوّليّا، ثمّ نزلت في سورة (الشعراء) ليقدّم لعشيرته الإنذار الأخير، بعد وصولهم إلى دركة ميؤوس معها من إيمانهم عن طريق إراداتهم الحرّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت