فهرس الكتاب

الصفحة 5730 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 730

أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) : أي: استقرئ أيّها المتفكّر الباحث إذا كنت لا تعلم، أحوال معظم الشّعراء، فإنّك ستجدهم في الأودية يهيمون، وقلّما يصعدون في اتّجاه الذّروات.

يَهِيمُونَ: أي: يسيرون في حياتهم على غير خطّة سابقة، وعلى غير هدى واضح المعالم، بيّن المسالك، بل تسيّرهم أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم آنا فآنا، دون أن يعلموا غاية يسعون لتحقيقها.

يقال لغة:"هام فلان يهيم هيما، وهيمانا"، أي: خرج على وجهه في الأرض لا يدري أين يتوجّه، فهو يذهب كلّ مذهب، متحيّرا مضطربا لا خطّة له في اتّجاهه.

الوادي: كلّ منفرج بين الجبال والتّلال والآكام.

والمراد هيمان الأهواء والشّهوات والأفكار والأعمال، والمراد بالوديان مجالات أنشطتهم العمليّة والحركيّة في الحياة، إذ هم لا يختارون معالي الكمالات والفضائل، مثل كمالات المعرفة، والأعمال الّتي فيها نفع وخير عام، ومثل الدّعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمشاركة في الجهاد في سبيل اللّه، ومثل تربية الأجيال على الفضائل، بل يتعلّقون بالتّرّهات، وسفاسف الأمور، فيضيّعون أعمارهم بالمديح لاستجداء العطايا، أو بهجاء الّذين لم يغدقوا عليهم عطاياهم، أو بالتفاخر الكاذب، أو بالذّم الظّالم، أو بالتّغزّل بالعفيفات الشّريفات، أو بوصف العشق اللّاهب، والبكاء الصّاخب، أو بالتّزلّف الكاذب، إلى غير هذه الأمور ممّا ليس فيه ذروة جبل، أو تلّة، أو أكمة، بل كلّها حضيض منحطّ في الوديان، أو قريب منه.

أَلَمْ تَرَ استفهام عن نفي العلم، للتّقرير بالعلم، أو للإعلام بالحقيقة. والمخاطب كلّ متلقّ صالح للخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت