فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 592
تنقض ظهره، ولا سيما أنّ هذه السّورة قد نزلت وهو ما زال في أوائل قيامه بوظائف رسالته، وفي المراحل الأولى من دعوته، فكيف تتراكب عليه ذنوب تثقل ظهره وهو في هذا الحال. إنّ هذا لأمر مرفوض قطعا، وحمل الوزر على الذنب هنا حمل منكر من القول وزور.
فما هو الحمل الثقيل المراد من كلمة الوزر الواردة في هذه السّورة؟
أقول: لدى التفكّر المتأنّي في حالة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، بحثا عمّا يمكن أن يكون لديه من حمل ثقيل ينوء به ظهره، تظهر لنا حقيقة طموحاته، وهمّته العليّة، وآماله الواسعة، وهمومه الكبرى، لإصلاح قومه، وإنقاذ البشريّة من خبائثها وشرورها وظلمها وفسادها العريض.
فقد بدأ يحمل هموم إصلاح أحوال أهله وأسرته ومن حوله من عشيرته، ثمّ تنامت همومه بالرّغبات الملحّات فيه لإصلاح قومه كلّهم في جميع الأراضي العربيّة، فكان كثير التفكير في ذلك، الأمر الذي جعله مثقلا بالهموم، باحثا عن وسائل الإصلاح، متفكّرا بالمبادئ الّتي يجب أن يقوم عليها الإصلاح، وبالمنهاج الذي يجب أن يسير عليه قومه.
ولا بدّ أن تكون قد تنامت همومه بالرّغبات الملحّات في الإصلاح العامّ الشامل، حتّى صار يحمل هموم إصلاح شعوب الأرض جميعا، عربهم وعجمهم، وصار يجهد ملكاته الذهنيّة في التأمّل والتفكير والبحث، وطرح الاحتمالات، ومحاولة استخراج المبادئ والمناهج ووسائل التنفيذ، فمن كان مثله ذا فطرة عالية، ونفس كبيرة، وفطنة فذّة، وهمّة رفيعة، وتحلّ بأكرم الصّفات البشريّة والخلق العظيم، فلا بدّ أن تكون له همّة نفسيّة عظيمة جدّا، تكلّفه أن يحمل من هموم الإصلاح البشريّ ما يثقل ظهره وينقضه.
وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام