فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 593
ولمّا كان محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يحمل هذا الحمل العظيم من الهمّ الكبير، لم يجد لنفسه الكبيرة السّامية، وقلبه العظيم، إلّا الخلوة بربّه في ذروة جبل حراء، عند غار صغير هناك، فصار يتعبّد فيه اللّيالي ذوات العدد، ثمّ يعود إلى أهله ليأنس بهم أيّاما، ثمّ يدفعه همّه العظيم، وشوقه المتوهّج إلى الخلوة بربّه، فيأخذ زاده، عودا إلى الغار في ذروة حراء، فيعبد ربّه، ويسبح في تأمّلاته، معانيا هموم إصلاح الناس جميعا.
وظلّ كذلك حتّى اصطفاه اللّه بالنّبوة الّتي كان قد أعدّه لها، ثم بالرّسالة الخاتمة، إذ أرسل إليه الملك جبريل عليه السّلام، وبدأ يلقي عليه ما يأمره اللّه به، ويتابعه ببيان أركان الإيمان وعناصر منهاج السّلوك، ووسائل التبليغ، وأساليب التربية والإصلاح، وبهذا ألقى اللّه عزّ وجلّ عن ظهر محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم كلّ همومه، فتوجّه لتلقّي التّعليمات والأوامر الرّبّانيّة، مهديّا بهدي ربّه، ملقيا عن ظهره أعباء رسم منهاج عمله، يترقّب ما يسعفه اللّه به عن طريق الوحي.
وتحقّقت بهذا منّة عظيمة من منن اللّه عليه، إذ وضع عنه وزره الّذي أنقض ظهره.
* وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4) :
وَرَفَعْنا لَكَ: أي: وأعلينا لك. فرفع الشّيء يكون بإعلائه، حتّى يراه جميع الرّائين، فلا يكون محجوبا عن أحد منهم، ومنه رفع الرّايات، ورفع المنارات، ورفع المباني، ومنه الإذن برفع بيوت اللّه حتّى تكون أعلى من سائر المباني حولها، للاهتداء إليها.
(ذكرك:) أي: صيتك الحسن بين كلّ ذوي الإدراك، إنّ انتشار الذكر الحسن بين الخلائق من أجلّ عناصر المجد الّتي يحرص عليها كرام النّاس وعظماؤهم.