فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 752
بحسب تصوّر قومه العرب للشّعراء، وما يسهل لديه أن ينظم الشّعر ويقرضه، لأنّنا لم نجعل من صفات نفسه القدرة على نظم الشّعر.
ويمكن أن ندرك أنّ الحكمة من عدم هبة نفسه القدرة على نظم الشّعر، سدّ ذريعة الّذين لا يؤمنون بدعوته، إذ لو كان شاعرا بفطرته لوجدوا رواجا لاتّهامهم إيّاه بأنّ النّزعة الشّعريّة في نفسه، هي الّتي جعلته يتخيّل تخيّلات النّبوّة، وجعلته يتطلّع إلى صناعة البيان الرّفيع، وأنّ القرآن من صنعه وإبداعاته.
يضاف إلى هذا ما في نفوس معظم الشّعراء الفحول، واسعي الخيال، من استعداد للدّخول هائمين في كلّ واد من أودية الكلام، مهما كان واديا سحيقا هابطا إلى أوحال غير أخلاقية، فيها الكذب، والرّياء، والنّفاق، والهجاء الفاحش، والثّناء بغير حقّ، والاستجداء، والتغزّل بالعفيفات الشريفات، المشعر برضاهنّ، وبأنّهنّ يشاركن الشاعر الهوى، ولهنّ معه لقاءات غير محمودة.
أمّا القرآن فما هو إلّا كتاب منزّل من ربّ العالمين، ليتبلّغه النّاس، ويتفهّموه، ويعوه، ويحفظوه، ثمّ ليتذكّروا منه ما يلائم الحالة الّتي يكون كلّ واحد منهم عليها، ولينذر به الرّسول وكلّ داع إلى اللّه من أمّته من كان ذا حياة قلبيّة، تؤثّر فيه ما اشتمل عليه القرآن من إنذارات، أمّا موتى القلوب بالأهواء والشّهوات وزينات الحياة الدّنيا، والكفر بالحقّ الرّبّانيّ، فيحقّ عليهم قول اللّه بأنّهم من المعذّبين الخالدين في الجحيم يوم الدّين.
فأبان هذا النصّ أنّ الرّسول ليس شاعرا، ولا يملك موهبة الشّعر، وأنّ الشّعر لا ينبغي له، وأبان أنّ القرآن ليس شعرا ولا مذهبا من مذاهب الشّعر، وإنّما هو كتاب منزّل من ربّ العالمين، ليكون ذكرا لمن يتلقّاه مؤمنا به.