معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 766
والجانب الّذي اقتضى القسم روعي حاله بذكر القسم والمقسم به، والجانب الّذي اقتضى عدم حصول الفائدة المرجوّة من القسم روعي حاله بنفي القسم بأداة النّفي"لا".
إنّ الموجودات الكونيّة الّتي لا يبصرها النّاس، لا يعرف المخاطبون إبّان التنزيل قيمتها وعظمتها، وعظمة خلق اللّه لها، فلا فائدة ترجى من القسم بها، لتأكيد أنّ القرآن تنزيل من ربّ العالمين، لكن سيأتي زمن يكتشف الباحثون العلميّون فيه عظمة الموجودات الكونيّة، الّتي لا يبصرونها بأعينهم، فالقسم بها يؤكّد لديهم خبر أنّ القرآن تنزيل من ربّ العالمين.
ومراعاة لهؤلاء وهؤلاء معا ذكر اللّه القسم، ونفاه بأداة النفي"لا".
بِما تُبْصِرُونَ (38) وَما لا تُبْصِرُونَ (39) : أي: بما ترون أيّها النّاس المعنيّون بالخطاب بأبصاركم ممّا خلقت في كوني، وما لا ترونه بأبصاركم ممّا خلقت في كوني.
وقد أثبتت البحوث العلميّة أنّ الكائنات غير المرئيّة بأبصار النّاس أعظم وأكثر جدا من المرئيّ بالأبصار، وقد تكون نسبة المرئيّ إلى غير المرئي بالأبصار، كنسبة الذّرّة إلى حجم الكرة الأرضيّة أو أقلّ.
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) : إنّ القرآن لقول نزل به رسول كريم من لدنّا هو أمين الوحي جبريل، وأوحى به إلى رسولنا محمّد قولا ملفوظا، فتلقّاه محمّد كما أوحى إليه به رسولنا جبريل، حرفا فحرفا، وكلمة فكلمة، وآية فآية.
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) : أي: ليس القرآن بقول يمكن أن يصدر عن شاعر، وقد سبق أن بيّنا لكم في سورة (يس) وفي سورة (الشّعراء) وفي سورة (الصافّات) أنّ الشعراء لا يمكن أن يأتوا بمثل