معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 31
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ:
إن الإيمان بالحياة الآخرة الّتي تكون بعد البعث للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، هو من عناصر القاعدة الإيمانية.
وجاء التصريح هنا بهذا العنصر، مع دخوله تحت معنى لِلْمُؤْمِنِينَ الشامل لكلّ عناصر القاعدة الإيمانيّة لحكمتين:
الحكمة الأولى: التأكيد على أنّ الإيمان بالآخرة، حياة ودارا، وما يكون فيها من جزاء بالنعيم العظيم الخالد في جنّات النّعيم، أو بالعذاب في الجحيم، من أقوى العناصر الدافعة إلى الالتزام بالسّلوك الإسلامي، والاستقامة على صراط اللّه الّذي رسمه لعباده وحدّد حدوده، ونصب معالمه.
لأنّ السّلوك الإنسانيّ في حياة الغالبيّة العظمى من الناس، يدفعه دافعان قويان خطيران:
الدافع الأول: الخوف من المؤلمات الموجعات.
الدافع الثاني: الطمع في المسعدات السارّات المفرحات.
والحق الذي لا يقترن به خوف أو طمع، تكون دوافع النفس إلى الالتزام بمطلوباته دوافع ضعيفة عند معظم الناس، ولا عبرة بالقلّة النادرة جدّا الّتي تؤدّي مطلوب الحقّ لمجرّد أنّه حقّ.
الحكمة الثانية: التوطئة للحديث عن الذين لا يؤمنون بالآخرة، الذين جاء الحديث عنهم في الآية التالية (4) .
يُوقِنُونَ: أي: يعلمون علما لا يخالطه ولا يعتريه شك.
اليقين: هو في اللّغة العلم الذي لا شكّ فيه، وأدنى مراتبه ما اعتمد على أدلّة فكريّة، أو خبرية صادقة، لا يعتريها شكّ.