معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 33
ومن أحبّ شيئا أحبّ العمل الموصل إليه، ولو كان شاقّا ومضنيا، ويكون هذا العمل في نفسه مزيّنا وجميلا. وهذا من الفطر التي فطر اللّه النفوس وجبلها عليها، وجعلها من طباعها.
وإشارة إلى هذه الحقيقة قال اللّه عزّ وجلّ: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ إنّ هذا التزيين ليس إغواء ولا إغراء، وإنّما هو نتيجة قدريّة تجلبها إرادة الإنسان الاختياريّة، فمن أدخل يده في النار، أحرقها اللّه له ضمن سننه التكوينيّة القدريّة العامّة، وكذلك من اتبع أهواءه وشهواته زيّنها اللّه له ضمن سننه التكوينية القدرية العامة.
التزيين: التجميل والتحسين بالزّينات المحبّبات الّتي تجذب إلى المزيّن النّفوس، وقد يصل جذبها إلى عمق القلوب، وهو أحد موادّ الامتحان في ظروف الحياة الدنيا.
فإذا كان المزيّن ممّا حرّمه اللّه عزّ وجلّ صرفت عنه البصيرة الإيمانيّة الهادية إلى الرّشد.
أمّا من لم تكن له بصيرة إيمانيّة، فإنّه يتعلّق بزخرف الحياة الدّنيا الموزّع في أشتاتها، فيكدّ ويكدح للحصول عليها، عابرا كلّ مسلك صعب، ونفق، وغور سحيق، وفاقدا رشده، يتخبّط في ظلماتها على عمه.
يقال لغة:"عمه، يعمه، عمها، وعمهانا، وعموها"أي: تحيّر وتردّد على غير هدى، ويستمرّ في شقائه وتعاسته لا ينال السّعادة الّتي ينشدها بسبب انطماس بصيرته.
هذا هو حال الّذين لا يؤمنون بالآخرة، مهما جمعوا من أموال، ومهما أصابوا من لذّات، لأنّهم يكونون في أعماق قلوبهم ونفوسهم غير سعداء.