معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 43
موسى، بعد أن ولّى مدبرا ولم يعقب، خوفا من الحيّة العظيمة ذات الحركة السّريعة والاهتزاز المخيف، فقال له:
لا تَخَفْ أي: كن آمنا فلن يصيبك مكروه من هذا الثّعبان الذي يسعى ويهتزّ بقوّة ونشاط وسرعة حركة إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ: فدلّت هذه العبارة على أنّ ربّه قد اصطفاه بالنبوّة، واصطفاه ليحمل رسالة منه، وقد جاء هذان بأسلوب ذي دلالة غير مباشرة.
لديّ: بمنزلة عندي، ظرف زماني ومكاني، إلّا أنه يدلّ على القرب أكثر من عندي فهو أخص منه.
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ: أي: باستثناء من ظلم بمخالفة لأمري أو نهيي، فإنّه يخاف عقابي. لكنّ من يختاره اللّه ليكون رسولا، لا بدّ أن يتوب ويبدّل عمله السّيّء، فيجعل عملا حسنا مكانه، فإنّ اللّه يغفر له ويرحمه، دلّ على هذا قوله تعالى: .. ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومعصية الّذي يصطفى للرّسالة، قد تكون مخالفة من درجة من درجات مرتبة الإحسان، أو درجة من درجات مرتبة البرّ، ولا تكون مخالفة من درجة من درجات مرتبة التقوى، فاللّه عزّ وجلّ قد يوجب على الأنبياء والمرسلين تكاليف زائدة على ما أوجب على غيرهم، وهذه التكاليف تقع في درجات من مرتبة البرّ أو مرتبة الإحسان بالنّسبة إلى غيرهم، كما فرض اللّه على رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقوم من اللّيل يعبد ربّه، بينما جعل هذا مندوبا إليه بالنسبة إلى سائر المؤمنين، ومعاصي الرّسل هي من درجات مرتبتي الإحسان أو البرّ، ولهذا آخذ اللّه عزّ وجلّ يونس عليه السّلام، إذ ترك قومه مغاضبا، ظانّا أنّ اللّه لن يضيّق عليه، لكنّ رسولا بارّا محسنا مثله، ما كان ينبغي له أن يعتمد على اجتهاد ظنّيّ، بل كان يجب عليه أن ينتظر ما يتلاقاه عن ربّه وحيا.