فهرس الكتاب

الصفحة 5851 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 59

فعبارة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لا يراد بها العموم الشّامل لكلّ ما يطلق عليه أنّه شيء، بل يراد به من كلّ شيء يؤتاه النّاس في ظروف الحياة الدّنيا، ولا سيما الملوك، من نعم هي من فضل اللّه عزّ وجلّ عليهم. إنّه عموم تقيّده قرائن الأحوال، وهو محمول على المبالغة الداعية إلى مزيد شكر اللّه على نعمه.

وقد يكون المراد: من كلّ شيء طلبناه ورغبنا فيه لأنفسنا ولملكنا وسلطاننا من أشياء الحياة الدّنيا ومتاعها.

القضيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية عنه: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.

الفضل: الإحسان بالعطاء دون سبب سابق يقتضيه إلّا إرادة صاحب العطاء المتفضّل، ودون ترقب مكافاة أو شكر.

المبين: أي: الواضح الجليّ، من فعل:"أبان يبين"بمعنى وضح وانجلى.

وقد كان ما فضّل به سليمان وأبوه من قبله واضحا وجليّا ظاهرا للنّاس الذين شهدوه، أو علموا به.

فأعلن سليمان عليه السّلام بهذا البيان فضل اللّه عليه وعلى أبيه، وأشعر ضمنا بأنّ من الواجب عليه تجاه ربّه أن يشكر هذا الفضل المبين، ومن شكره لربّه أن يقيم العدل، ويجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، ويكثر من عبادته له بما يرضيه.

ولهذا قال في الآية (19) التالية:

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت