معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 64
"لو فعل لأخذته الملائكة عيانا".
(3) وأخرج الإمام أحمد ومسلم والنّسائيّ وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم.
قال: واللّات والعزّى لئن رأيته كذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفّرنّ وجهه في التّراب، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلّي ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلّا وهو ينكص على عقبيه، ويتّقي بيده، فقيل له: ما لك؟.
فقال: إنّ بيني وبينه خندقا من نار، وهولا، وأجنحة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا"وأنزل اللّه عزّ وجل:
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) إلى آخر السورة.
وما ورد من أسباب النزول لا يخرج النّصّ عن كونه ذا دلالة عامّة، فالعبرة بعموم النّصّ لا بخصوص السّبب، كما هو مقرّر عند علماء أصول الفقه.
إنّ هذا الصنف الطّاغي الجبّار، الذي يتدخّل في عقائد الناس وعباداتهم، والذي يمنع المصلّين عن صلاتهم بحسب معتقداتهم فيضطهدهم وينزل بهم عذابا من أجل معتقداتهم وعباداتهم، صنف موجود في كلّ عصر، وبلد ومصر، وعموم النّصّ يشملهم، والوعيد الّذي جاء في السّورة يعمّهم جميعا، ولا يخصّ أبا جهل ولا نظراءه من الطّغاة الّذين كانوا في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكن قد يؤجّل اللّه العقاب إلى أجل ما في الحياة الدنيا، أو إلى يوم الدّين.
ما أبدع عرض هذا الصّنف الذي هو شرّ النّاس بعبارة:
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْدًا إِذا صَلَّى (10) .
هذه العبارة تتضمّن أنّ حرّيّة الاعتقاد والعبادة لدى جميع العقلاء من الناس، ينبغي أن تكون مصونة في المجتمع البشري، ولا يصحّ أن تكون عرضة للإكراه فعلا ولا تركا.