معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 110
إنّ الّذين كفروا يتعقّلون بالأوهام الباطلة، ويكذّبون الرّسل الصّادقين، ويكذّبون بالحقّ الّذي يبلّغونه عن ربّهم.
كذلك فعلت ثمود، قوم الرّسول صالح عليه السّلام، لمّا أخذهم اللّه عزّ وجلّ بالبأساء والضّرّاء ليتوبوا، ويستغفروا، ويتضرّعوا إلى بارئهم، لم يكن منهم إلّا أن يتشاءموا برسولهم صالح عليه السّلام وبمن معه من المؤمنين.
فقال لهم صالح عليه السّلام ما أبانه اللّه عزّ وجلّ بقوله: ... قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) .
قالَ طائِرُكُمْ: أي: عملكم انطلق طائرا فصار عِنْدَ اللَّهِ علما وتسجيلا وحسابا، وهو السّبب الّذي من أجله أنزل اللّه عزّ وجلّ بكم من البأساء والضّرّاء ما تكرهون، رغبة في أن تتوبوا إليه، وتستغفروه، وتتضرّعوا سائلين أن يكشف عنكم ما أنزل بكم من مصائب.
لكنّكم صرفتم هذه الحقيقة عن أذهانكم وتمسّكتم بأوهام التّطيّر الّذي لا حقيقة له، وإنّما هو ذريعة تتهرّبون بها من الحقّ.
واختير لفظ الطائر كناية عن العمل ليتلاءم في اللّفظ مع الطّيرة المشتقّة من الطائر، وهي كناية قرآنية.
والمعنى: لا شؤم منّي ولا من الذين آمنوا بي واتّبعوني، بل أنتم قوم تفتنون، فتستجيبون لوساوس الشيطان وإغراءاته وتسويلاته بالباطل، منخدعين بها، إذ يزيّن لكم شهواتكم من الحياة الدّنيا، ويزيّن لكم ما أنتم فيه من شرك، وتتأثّرون بها ضالّين مبتعدين عن صراط الحقّ، صراط اللّه المستقيم.
الفتنة: تأتي للدّلالة على معاني عديدة، منها الابتلاء، ومنها الإغراء والخداع بالباطل للإضلال والصّرف عن الحقّ، وهذا المعنى هو الملائم هنا.