معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 113
التّبييت: عمل الشّيء، أو تدبيره، أو الاتّفاق عليه، أو نيّة فعله ليلا، ومن نيّة العمل ليلا تبييت الصّيام، بالعزم على أدائه من طلوع الفجر حتّى غروب الشّمس، ومن عمل الشّيء ليلا مباغتة العدوّ ليلا لقتله أو سلبه أو إنزال ما يكره به.
والّذي عزم عليه الأشقياء التّسعة من قوم ثمود، أن يقتلوا صالحا عليه السّلام ليلا على سبيل المباغتة، ويقتلوا معه أهله في داره، في وقت لا يراهم فيه أحد، ليتسنّى لهم أن يقولوا لأوليائه من أقربائه: ما شهدنا مهلكه ولا مهلك أهله، وإنّا لصادقون.
لِوَلِيِّهِ: أي: لأقربائه الّذين يطالبون بالثّأر.
ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي: ما شهدنا مهلكه ولا مهلك أهله، فلم نكن حاضرين عند هلاكهم، حدثا ولا زمانا ولا مكانا.
نفي الشّهود أبلغ من نفي الفعل، لأنّ نفي الفعل قد يكون مع الحضور والشّهود، لكنّ نفي الشّهود يدلّ على أنّ العلم بهلاكهم قد كان تلقّيا من أخبار النّاس.
وَإِنَّا لَصادِقُونَ: أي: ونؤكّد لوليّه صدقنا في أنّنا ما شهدنا مهلكهم، ففي هذه العبارة التوكيد ب"إنّ- الجملة الاسمية- اللّام المزحلقة للخبر".
قول اللّه عزّ وجلّ:
المكر: هو في اللّغة تدبير أمر ما في خفاء. ومعلوم بداهة أنّ ما يدبّر في خفاء لا يلزم عقلا وواقعا أن يكون شرّا، بل قد يكون خيرا.
وما يكون منه خيرا لا ينافي الكمال، بل هو من صوره وأمثلته.